افعل و لا حرج (13 )
مرت ثلاثة شهور منذ وطئت قدمي أرض المملكة العربية السعودية و كانت فترة هادئة للغاية و كان شغلي الشاغل هو المراقبة , اعلم عزيزي القارئ أن لفظة مراقبة قد تستوقفك لكن تلك هي الحقيقة كنت بالفعل مشغول بمراقبة الآخرين و هي ليس عياذا بالله تجسس و لكني كنت حريص على متابعة ردود أفعال الآخرين و تصرفاتهم تجاه المواقف المختلفة فلا تنسى أن هذا المكان كان أشبه بتجمع دولي فيه الأبيض و الأسود و الأصفر جاءوا من شتى بقاع الأرض يحملون في جعبتهم ثقافات مختلفة و أحلام متفرقة ثم انصهروا جميعا بين جدران هذه المستشفى و كانت هذه الظاهرة تستحق الدراسة خاصة لشخص مثلي عنده اهتمام بالغ بفكرة عالمية الإسلام و قدرته الباهرة على إزالة الحواجز بين البشر و جمعهم على كلمة سواء و هي توحيد العبودية للخالق سبحانه و أردت أن ألمس هذه التجربة بنفسي و أن أخرجها من عقلي لأضعها في حيز التنفيذ فأراها بأم عيني تسير في دنيا الناس فاعلة كما أرادها الله سبحانه و تعالى و كما فعل الأولون حين خرجوا بالدعوة الإسلامية من قلب الجزيرة العربية فشرقوا بها و غربوا فإذا هي النور الذي سطع على هذه البشرية البائسة فأخرجها من دياجير الظلمات إلى رحاب ندية نقية تستمد نورها الساطع من معين القرآن و السنة النبوية .
و لعل هذا هو السبب الرئيسي لاهتمامي بفكرة الحج هذا المؤتمر العالمي السنوي الرائع الذي لا يوجد له أ مثيل في أي عقيدة من العقائد المحرفة التي تشقى البشرية بها الآن. و نظرا لأن الفترة الأول التي قضيتها في المستشفى كانت فترة تدريب فكان عندي متسع من الوقت و قد مكنني هذا من حضور دورات شيقة في فقه الحج و كنت في هذه الفترة قد واظبت على حضور عدد من مجالس العلم مما جعل الأشواق تستعر بداخلي رغبة في الوصول للمشاعر المقدسة .
( افعل و لا حرج ) هذا هو ملخص الحج وهي كلمات خرجت من بين شفتي قائد هذه الأمة عليه أفضل الصلاة و السلام لتضئ لنا الطريق و لترسخ في قلوبنا معنى الوسطية الحقيقية التي يتشدق بها العديد الآن ممن يريدون تميع الدين الإسلامي بحجة مواكبة العصر و سوف أتوقف معكم قليلا هنا لأعرض لكم بعض خواطري عن الحج و بإذن الله سوف أتناول تفاصيل ما جرى لي في الحج في الحلقات القادمة .
الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام و هو من أسمى و أرقى العبادات من حيث تحقيق مقام العبودية لرب البرية خاصة مع المشقة التي لا يستطيع أحد أن ينكرها كم أنه دعوة عالمية مصداقا لقول الله تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ) و الحج فيه من اللطائف و المعاني ما يعجز القلم عن وصفها و لكننا نتحسس سويا بعض هذه المعاني و نحن في هذا أشبه بالطفل الصغير الذي يحاول استكشاف العالم الفسيح بيده لصغير فمهما بذل من الجهد فهو مازال يحبو و نحن حين نتكلم عن الحج لسنا بعيدين عن هذا الطفل الصغير فقد أودع الملك سبحانه في تلك العبادة العظيمة من الأسرار ما لا يعلمه إلا الله.
و لعل أكثر ما يستوقفك في هذه العبادة العظيمة هو التيسير الذي ارتبط بها و هذا اكبر دليل على عظمة هذا الدين و روعته و الوسطية الحقيقية التي أراداها الله له فمنذ الوهلة الأولى تستطيع أن ترى هذا التيسير في قول الله ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا )) و قول رسوله كما جاء في الترمذي بإسناد حسن خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة و ذكر منها وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا . فالحج ارتبط بالاستطاعة و هو أمر خاص بهذه العبادة و لا يوجد في عبادة أخرى فليس المقصود من الحج المشقة كما يتصور البعض أو كما يفعل البعض و ليس المقصود أيضا التفريط بحجة التيسير فخالق البشر يريد أن يرفع الحرج عن عباده كما قال تعالى (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) و من مظاهر التيسير في الحج أنه مرة واحدة في العمر فمن زاد فهو تطوع بينما الزكاة و الصيام و الصلاة و سائر العبادات لا تنتهي إلا بموت صاحبها أو عجزه عن القيام بها و هذا من أروع مشاهد الرحمة في ديننا الحنيف و لك أن تتخيل أيها القارئ حال الناس لو كان الحج كل عام لذا أريد من القارئ أن يتأمل معي هذا المشهد الرائع للحبيب المصطفى و لا تنسى أن تصلي عليه فعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج . فقام الأقرع بن حابس فقال أفي كل عام يا رسول الله ؟ قال لو قلتها نعم لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا والحج مرة فمن زاد فتطوع , فانظر أخي الحبيب إلى العبقرية النبوية و في تحليل الطبائع البشرية و هو يخاطب الصحابة و هم أعلى هذه الأمة عبادة و زهدا و ورعا قائلا و لو وجبت لم تعملوا بها فهذه القراءة النبوية للنفس البشرية إضافة لكون النبي مؤيد بالوحي دليل قاطع على أن هذا الدين جاء لرفع المشقة .
و من مظاهر التيسير في الحج قول الله تعالى ((وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى )) فمسألة التعجل في الحج من الأمور التي يجب أن نتوقف معها في كونها صورة من صور التيسر فمكة في فترة الحج تكتظ بالحجاج و خروج الناس على دفعات أمر بالغ الأهمية و إلا فنزوح الحجاج دفعة واحدة من منى أمر لا يتصوره عقل لذا فقد أراد الله أن يهون على مثل هذه المشقة أضف لذلك أن الحج له أركان و واجبات و أن هذه الواجبات نظرا لصعوبة بعضها فقد جعل الله لها كفارات إذا عجز الإنسان عن الإتيان بها بل إن هذه الكفارات على التخيير كما جاء في قول الله تعالى (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) و الأمر بالطبع فيه تفصيل فقهي ليس هذا محله . أما أركان الحج فهي أربعة الإحرام و الوقوف بعرفة و هو أهمها و طواف الإفاضة و السعي بين الصفا و المروة و هذه الأركان لا تسقط و يبطل الحج إذا لم يتمكن الإنسان من أدائها و على هذا فقد نال هذه الأركان حظها من الرحمة و التيسير الذي أسبغه الله على هذه لعبادة العظيمة و يظهر هذا جليا في قول رسول و هو يتحدث عن أعظم و ارفع أركان الحج و هو الوقوف بعرفة (الحج عرفة فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه ) حتى ان الفقهاء قالوا لو أن شخص بعرفة لثانية واحدة فإن هذا يكفي لقبول هذا الركن العظيم .
فانظر أيها القارئ الكريم لكل هذه التيسيرات و تمعن معي في عظمة هذا الدين و انفض عن أذنيك غبار هذه الهتافات السقيمة التي يرددها المفسدون الذين يدعون الإصلاح و هم في هذا أشبه بأسلافهم الذين جاء ذكرهم في القرآن ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) فمنذ ظهور حركة التغريب المشئومة خرج علينا دعاة على أبواب جهنم ارتموا في أحضان الغرب و زعموا أنهم مجددون و أنهم يريدون أن يواكبوا روح لعصر فطمسوا معالم الدين و مزقوا أصوله و نعتوا مخالفيهم بالرجعية و التخلف و أن هنا اعرض لك أخي الحبيب صورة راقية لعظمة هذا الدين و لم أجرك إلى خلافات فقهية أنما عمدت إلى النصوص الصحيحة مباشرة و أنا في هذا لم أعرض عليك إلا صورة بسيطة للغاية لا تقارب الحقيقة في شئ فالحج أروع و أعظم من هذا و التيسير الذي ارتبط بعبادة الحج أروع من ان تصفه الكلمات و سوف أختم لك هذا الفصل من خواطري حول الحج بهذا الحديث الرائع فقد وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى يسألونه فجاءه رجل فقال يا رسول الله إني لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذبح ولا حرج وجاء رجل آخر فقال يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي قال ارم ولا حرج قال فما سئل يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال افعل و لا حرج