أبو صالح (10)
سبحان الله ستظل شخصية هذا الرجل لغز بالنسبة لي حتى مشاعري تجاهه حتى اللحظة الأخيرة ظلت متضاربة. لا أنكر أنه ساعدني كثيرا و إنه كان يرغب في بقائي و عدم سفري و كان الجميع في الصيدلية يرى أنني مقرب منه للغاية لكن ...
لم أتوقع أن تكون مقابلتي مع أبو صالح مقابلة بالمعنى المعروف بل ظننت الأمر مجرد تعارف بسيط فقد أبرمت العقد بالفعل مع الشركة و أنا الآن داخل المملكة لذا فلم أكن مستعد لإجراء مقابلة بالمعنى المفهوم. أبو صالح له صوت عميق و نظرات أشد عمقا و هو غالبا مبتسم و أبو صالح رجل من طراز خاص تخافه و تحبه و لا تستطيع أن تعرف ما يدور بداخله بالضبط و سوف أسرد لكم بعض سماته الشخصية و منها أنه طالب علم شرعي متقدم و له أبحاث في مجال دراسة و تحقيق الحديث النبوي و قد كان هذا لأمر أحد المداخل للتعامل مع الرجل و هو صيدلي متميز من الجانب العلمي و ليس العملي و أقصد هنا الجانب الإداري مع احترامي الشديد له فقد كانت الصيدلية تدار بطريقة عشوائية ليس هناك ضابط أو رابط و من المواقف الظريفة التي لا أنساها أن زملائي في الصيدلية أقاموا لي حفل ضخم في الطابق العلوي قبل رحيلي بفترة قصيرة و كانت هناك قاعة للرجال و قاعة للنساء حيث جلست أمي مع النساء ,فعدد العاملين بالصيدلية من صيادلة و فنيين كان حوالي خمسين فرد المهم أنني نزلت للطابق الأسفل حيث تقع الصيدلية الرئيسية ففوجئت أن الجميع قد ترك الصيدلية فصارت خالية فالكل جاء ليحضر الحفلة و وجدت نفسي وحيدا في مواجهة المراجعين الحانقين و لك أن تقدر مشاعرهم عندما يأتوا لصيدلية فيها الأقل حوالي عشرون موظف فلا يجدوا أحدا البتة و ما هذا إلا مثال بسيط على سوء الإدارة !!
نعود للمدير فنجده رجل متقلب المزاج فلا تعرف هل هو عادل أم لا خاصة في قراراته الخاصة بالأجانب و في المناصب التي كانت تمنح لأشخاص دون وجه حق و في المقابل كان يسمح لي بكثير من الأشياء لم تعطى لا أحد من قبلي حتى من أبناء البلد كما كانوا يطلقون على أنفسهم باختصار شديد لم أستطع أن أحلل شخصيته و لكني أحببته في الجملة . أجرى معي أبو صالح مقابلة لم تكن جيدة بالمرة و قد تلعثمت و ترددت و تصببت عرقا ثم وعدته بأن أقوم بمراجعة مادة الفارماكولوجي ( و هي تعد العامود الفقري لأي صيدلي ) في أسرع وقت على أن يجري لي مقابلة أخرى فأخبرني أنه لا داعي لهذا فهناك امتحان للقسم شهريا للوقوف على مستوى العاملين و سوف يتعرف على مستواي من خلاله – اكتشفت لاحقا أن هذا الامتحان خاصة في قسمنا الكريم لا وزن له – سعدت لهذا الخبر و وعدته بالارتقاء بمستواي سريعا . قام أبو صالح بوضعي تحت الاختيار لمدة ثلاث أشهر و هو إجراء روتيني و في هذه الفترة كان غالب تدريبي في صيدلية المرضى المنومين و لعل هذه تكون فرصة طيبة لأصف سريعا الصيدليات الموجودة بالمستشفى. أولا هناك الصيدلية الرئيسية و هي مسئولة عن صرف الأدوية الخاصة بغالب العيادات و أيضا قسم الطوارئ و العاملين بهذا المكان كانوا جميعا من الرجال – عدا الفترات المسائية فيوجد بها نساء أحيانا - كان هناك حوالي 15 موظف سعودي و 10 من الأجانب و هؤلاء الأجانب كانوا جميعا هنود باستثناء موظفان باكستانيان و بنغالي و مصري و هو أنا و هذه الصيدلية ضخمة للغاية و يوجد بها مكتب مدير الصيدلية و كنا نحن أصحاب النصيب الأكبر من المشاكل وهذا لسببان الأول سوء التنظيم و الإدارة و هروب كثير من الموظفين أثناء اليوم فقد كنا أشبه بمولد ليس له صاحب و على صعيد أخر كان عدد المرضى يوما ضخم للغاية و تحضير الأدوية و تسجيلها على جهاز الحاسب الآلي يستغرق وقت طويل. أما الصيدلية الثانية التابعة لنا فكانت صيدلية العيادات الخارجية و هي تخدم مبنى العيادات الخارجية و هي صيدلية نسائية خالصة عدا مديرها فقد كان موظف سعودي ثم أخيرا صيدلية المرضى المنومين و هذه كانت تخدم مرضى الأقسام الداخلية و هي مختلطة نوعا ما فيوجد بها رجال و نساء لأن عدد النساء قليل و هي تحتاج لعدد أفراد أكبر.
كان المشرف الرئيسي علي هو ريس , و ريس الحق هو أحد الصيادلة الهنود الذين يقومون بمهام إشرافية داخل الصيدلية و قد أسند مهمة تدريبي الخاصة بصيدلية المرضى المنومين لأم أحمد و هي من أقدم من عملوا بالصيدلية و تعد من أشهر الشخصيات في المستشفى فهي تعرف تقريبا جميع الممرضات و العاملات. كان التحدي الأول الذي واجهني في هذا المكان كيف تكسب ود المحيطين دون أن تتخلى عن مبادئك و دون أن تميع دينك و الحقيقة الأمر لم يكن سهل فأنا و كما أخبرتكم سابقا أول مصري ذكر يحط بقدمه في الصيدلية منذ ما يقرب من عشر سنوات حيث عمل قديما صيدلي و زوجته في هذا المكان أي أنه على مدار 20 عام من فتح هذه الصيدلية لم يعمل بها سوى مصريان فقط ( أقصد رجال فهناك عديد من النساء المصريات عملوا بالمكان )!!, و لم تكن فكرة الطاقم الموجود عن المصريين جيدة أبدا لأسباب كثيرة منها أن العديد من المصريات رفضن استلام العمل في الفترة المسائية التي تبدأ من منتصف الليل إلا الساعة سابعة صباحا تقريبا و لهذا كان أبو صالح كما أخبرني هو بنفسه يكره وجود مصريين في المكان و التحدي الأخر الذي واجهني هو اختلاف ألسنة القوم و بيئاتهم و أفكارهم و أخطر من ذلك وجود نصارى في المكان بعضهم من المتشددين فكان معنا قس نيجيري و هو المسئول عن غرفة المحاليل و أخر هندي و هو أكبر شخصية علمية في القسم و يعد المصدر الرئيسي للمعلومات في الصيدلية و قد دهشت كثيرا لوجود مثل هذا العدد من النصارى داخل المستشفى و عدم إقبالهم على الإسلام على الرغم من المجهود المضني الذي يبذله العاملون بتوعية الجاليات لكني اكتشفت لاحقا أن الأمر أكبر من ذلك فالمشكلة التي تواجه الإسلام الآن ليس ضعف المنهج عياذ بالله فهو منهج رباني أصيل محفوظ من قبل رب العالمين و هو كافي بمحو أي منهج أخر من صنع البشر بما فيها الديانات المحرفة التي يتبعها أصحابها دون أي تعقل لكن المشكلة الحقيقية تكمن في المسلمين أنفسهم فهؤلاء هم النموذج الذي تراه العين و كما قال الشاعر
و فعل رجل في ألف رجل .......خير من قول ألف رجل في رجل
لذا فإننا مهما بلغنا من القوة و الحجة في الإقناع و البيان فأننا لا نستطيع أن نؤثر في من حولنا إلا إذا صرنا نحن واقع حي يمشي بين الناس كما كان النبي صلى الله عليه و سلم وصحبه الكرام .
لعل هذه النقطة الأخيرة تكون منطلق لحديث جديد و هي أشبه بزفرات مهموم قرر أن يسلك طريق العمل لدين الله فوجد الأمر شائك و الطريق طويل و الكارثة التي حلت بالإسلام للآسف على أيدي أهله تحتاج لسنوات من الإصلاح و لعل أكبر هذه الكوارث هو اختزال الإسلام في مظاهر شكلية و تعبدية و إهمال و هذه أمور شخصية بحتة و الله أعلم بسريرة فاعلها لكن المنهج الإسلامي أرقى من ذلك و أعمق فهو منهج حياة متكامل يبدأ بدخول المرحاض أعاذنا الله و يرتقي في شتى مناحي الحياة حتى يصل إلى القمة في العلاقات الإنسانية من حيث تنظيمها و تشكيلها بما يتناسب مع الفطر السوية فيخرج لنا أفضل و أرقى الصور الحضارية التي يجب أن يكون عليها الإنسان و خلاصة القول حتى نلتقي مرة أخرى أن الدين ليس لحية و نقاب .